ابن قيم الجوزية

174

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

فوصفهم بست صفات : إحداها : الفقر . الثانية : حبسهم أنفسهم في سبيله تعالى وجهاد أعدائه ، ونصر دينه ، وأصل الحصر : المنع ، فمنعوا أنفسهم من تصرفها في أشغال الدنيا ، وقصروها على بذلها للّه وفي سبيله . الثالثة : عجزهم عن الأسفار للتكسب ، والضرب في الأرض : هو السفر . قال تعالى : 73 : 20 عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وقال تعالى : 4 : 101 وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ . الرابعة : شدة تعففهم . وهو حسن صبرهم ، وإظهارهم الغنى . يحسبهم الجاهل أغنياء من تعففهم ، وعدم تعرضهم وكتمانهم حاجتهم . الخامسة : أنهم يعرفون بسيماهم . وهي العلامة الدالة على حالتهم التي وصفهم اللّه بها . وهذا لا ينافي حسبان الجاهل أنهم أغنياء ، لأن الجاهل له ظاهر الأمر ، والعارف : هو المتوسم المتفرس الذي يعرف الناس بسيماهم . فالمتوسمون خواص المؤمنين ، كما قال تعالى 15 : 75 إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ . السادسة : تركهم مسألة الناس ، فلا يسألونهم إلحافا والإلحاف : هو الإلحاح والنفي متسلط عليهما معا ، أي لا يسألون ولا يلحفون . فليس يقع منهم سؤال يكون بسببه إلحاف . وهذا كقوله * على لا حب لا يهتدي لمناره * أي ليس فيه منار فيهتدي به . وفيه كالتنبيه على أن المذموم من السؤال : هو سؤال الإلحاف . فأما السؤال بقدر الضرورة من غير إلحاف فالأفضل تركه ولا يحرم .